مباركة الثورة الأم
بعد أن رأى قادة الثورة السبتمبرية أولئك النساء القادمات من عدن
للتهنئة ظنوا أن حكومة جنوب الوطن ما هي إلا « حكومة امرأة « وتحولت
زيارتهن المفاجئة إلى زيارة رسمية ، وأصبحت تلك النسوة ضيوفاً على
الدولة , تحولت خطواتهن وتجوالهن في تعز إلى مظاهرات واحتفالات
ومهرجانات حتى أن الباص الذي كان يقلهن من كثرة الجماهير أبطأ في سيره
, وكان يُطلب من المناضلة رضية إحسان في كل خطوة إلقاء كلمة على
الجمهور , وتذكر رضية أنهاألقت
خطبة في كل صف من صفوف الكلية العسكرية , ثم تم أخذ النساء إلى الساحة
حيث تجري التدريبات العسكرية للفدائيين وطلبوا من المناضلة رضية إلقاء
كلمة بدون ميكرفون على الجنود , وأخيراً أقيم لهن احتفال رسمي في إحدى
مدارس تعز تحدث فيها الخطباء وبعض الطلبة , وعندما خرجت عضوات الجمعية
من المدرسة كان الحماس في أشده فقد ازدحمت الشوارع بالجمهور , فخاطبت
المناضلة رضية رفيقات دربها من النساء قائلة : « أبعد هذا يحق لواحدة
منا أن تخفي وجهها » ورفعت جميع الحاضرات الحجاب عن وجوههن فقط ليراهن
الجميع , وأرسل المرحوم عبدالله السلال طائرة خاصة لدعوتهن واعتبرهن
ضيوفاً على الدولة , وجهز لهن داراً في صنعاء دعا إليه نساء الأسر
الصنعانية الكريمة كما قابلن لأول مرة والدة الشهيد اللقية , وفي دار
الضيافة تبرعن بكل ما كان في أيديهن من حلي ذهبية أُرسلت إلى السلال ,
وظلت هذه الحادثة حاضرة الذاكرة في نفسية الفقيد عبدالله السلال في
منفاه في القاهرة قبل وفاته بعدة سنوات عندما زارته المناضلة رضية
إحسان بمنزله , حينها تذكر الفقيد قائلاً لها « أنتن اللاتي تبرعتن
بذهبكن » لتدل هذه الحادثة على أن الخير يُذكر ولو بعد حين .
كان وجود أولئك النسوة في صنعاء لم يكن مبهجاً كما كان في تعز , فقد كن
في صنعاء حبيسات دار الضيافة ومنه انتقلن إلى منزل الأخ عبد الرحمن
البيضاني وتقرر سفرهن اليوم التالي إلى الحديدة خوفاً من القبائل التي
قيل أن وجودهن أكد ادعاءهم بأن الجمهورية ما هي إلا امرأة .
قنبلة المطار
وأيام النساء الكبيرة والرائعة كانت بعد إلقاء قنبلة المطار المشهورة
بعدن في 24 سبتمبر عام 1964 م التي ألقاها المناضل خليفة عبدالله أثناء
سفر المندوب السامي البريطاني ومرافقوه وعدد من السلاطين والوزراء
أثناء مغادرتهم متوجهين للطائرة التي ستقلهم إلى لندن , وكنوع من
التمويه والتضليل قام المناضل خليفة عبدالله بإسعاف المصابين والقتلى
ضمن العديد من الذين تفاجؤوا بالانفجار حتى لا يشك به أحد , ولكنه
أعتقل ضمن العديد من الأبرياء والقائمين على المطار , بالإضافة إلى عدد
كبير من قادة النضال والمقاومة والذين أدخلوا سجون المحتل لمعرفة
الفاعل , وبالطبع كلهم أنكروا صلتهم بالحادث ومنهم المناضل خليفة
عبدالله .
في هذه الأثناء وصل نبأ اعتقالهم إلى مسامع النساء , فقمن بأداء
الواجبات الإنسانية تجاه المعتقلين كالاتصال بدويهم وطمأنتهم وإرسال
الملابس الضرورية والغذاء للمعتقلين , وأعلنت النساء عقد مؤتمر صحفي
باسم .
أمهات وزوجات وأهالي المعتقلين , وبينما كن مشغولات بالإعداد للمؤتمر
ودعوة النساء من جميع المناطق إلى المؤتمر الذي كان في اليوم الثاني ,
كانت الشرطة تبحث عن رضية إحسان وصافيناز خليفة وتم إلقاء القبض عليهن
في قسم شرطة عدن , وكان التهديد والوعيد لهن حازماً من السلطات
البريطانية لإلغاء عقد المؤتمر الصحفي المزمع عقده وتم الإفراج عنهن
بعد ساعات معدودات.
الأحذية في مواجهة سلاح الانجليز
في الصباح الباكر قبل شروق الشمس كان فندق إحسان مزيناً باللافتات التي
تندد بالاستعمار ولم تشعر السلطات البريطانية بعقد المؤتمر إلا عندما
رأت وصول المراسلين الأجانب , هنا فقط ألقت الشرطة القبض على المناضلة
رضية إحسان وأودعتها السجن , ومنعت الشرطة دخول المراسلين إلى الفندق
عندئذ نزلت النساء وكان أول صدام مسلح بالشباشب والأحذية بين النساء
والشرطة واقتحمت النساء مسجد العسقلاني بعدن وأعلنته النساء مقراً
للاعتصام وإعلان الإضراب عن الطعام إلى أن يتم الإفراج عن المعتقلين في
سجون الاحتلال , ومع ذلك كانت صواني الطعام تصل إليهن من البيوت
المجاورة للمسجد بشكل مستمر طوال فترة الاعتصام , كما كانت وفود
الصحفيين الأجانب لا تكاد تنقطع عن المسجد وقد أبلت الأمهات الثلاث
الباسلات خديجة حميدان وفضيلة سالم وفطوم خليل سليمان بلاءً حسناً في
التغطية الإعلامية إلى جانب عضوات « جمعية المرأة العربية الشابات «
باستثناء رئيسة الجمعية المناضلة رضية إحسان الله التي أُعتقلت ,
وأستمر الاعتصام لمدة 17يوماً فقط , وبعد شهرين ونصف تم الإفراج عن
رئيسة الجمعية رضية إحسان وبعد زيارتها للمعتقلين عزمت نساء الجمعية مع
أمهات وعائلات المعتقلين من جميع مناطق عدن أن يضربن الضربة الأخيرة
للإفراج عن المعتقلين واجتمعن عند حائط قديم بين عدن والبريقة عند
الفجر وعند وصولهن كانت سيارات الشيخ عثمان والتواهي بانتظارهن وتم
إيصالهن في هد أة الفجر إلى دار البرلمان الاتحادي وكان الحارس جندياً
واحداً فقط ففوجىء بعدد كبير من النساء يهجم على الدار ويتوجهن إلى
قاعة البرلمان وكانت مغلقة فحار الحارس بين الاتصال التليفوني ومحاولة
إغلاق الباب الذي فشل في إعلاقه بسبب كثرة عدد النساء وتغلبهن
عليه فانتشرت النساء كالسيل الجارف في الشرفة المواجهة لقاعة البرلمان
وشرعن بهتافات تنادي مطالبة بإطلاق سراح المعتقلين وكان هتافاً مؤثراً
فكانت تردد الأمهات المسنات ( أبناءنا أبناءنا ) وتعطل العمل في الجهاز
الحكومي كله ووقف الموظفون خارج الدار وأحاطت الشرطة بالبرلمان
والهتافات مستمرة طوال ثلاثة أو أربعة أيام .
حصار
كانت المفاوضات مستمرة طوال هذه الفترة بين المسؤولين من ضباط إنجليز
وسلاطين لإجبار النساء على الخروج من الدار لكن دون جدوى ومنعوا الطعام
والشراب من الوصول إليهن وهن في شهر رمضان , وكانت الأمهات تنفطر
قلوبهن وهن يروين أطفالهن الجياع على الرصيف ولم تقو زوجة أمين الأسودي
على رؤية طفلتها الباكية فتحدت العسكر ونزلت وأخذت طفلتها , وكان موقف
قاضي قضاة المدينة الاتحادية الإنجليزية موقفاً نبيلاً حيث أعتبر
اعتصام النساء لجؤاً إليهم لا يجب أن يُرفض وأبى أن تمس النساء بسوء
خصوصاً فقد عزمت الحكومة البريطانية على إحضار مجندات إنجليزيات
لإخراج النساء بالقوة من الدار بسبب تعطل العمل الإداري في الحكومة ,
وتأزم الموقف بين الإنجليز والسلاطين وأنتصر قاضي القضاة فأرسل لهن
طعاماً من بيته كما أرغم الحكومة على إيصال الطعام للمعتصمات .
في اليوم التالي وصلت للنساء
الهدايا من معسكر الإعتقال حيث المعتقلين بعد
إنتشاؤ النباء ولجأت الحكومة البريطانية إلى طريقة أخرى إذ أقفلت
الحمامات ومنعت الماء وكان من حسن الحظ أن النساء كن صائمات ولكن إغلاق
الحمامات سبب إضطراباً ومتاعب لهن ، وبعد فشل الحكومة في إخراجهن لم
تجد السلطات البريطانية حلاً سوى الإتصال بقادة المؤتمر العمالي
المعتقلين أنفسهم تتعهد لهم بالإفراج القريب على
أن يقنعوا النساء بالجلاء عن دار البرلمان الذي قوبل برفض النساء ,
واستمرت المفاوضات.. وفي اليوم الثاني جاء سلاطين لحج وتعهدوا بأن يطلق
سراح جميع المعتقلين في ليلة العيد , ولكن رفضت النساء هذا على أن يطلق
سراحهم في الحال , ومرة أخرى اتصلت السلطات البريطانية بالمعتقلين من
جميع الأحزاب السياسية وفي المساء وصل وفد منهم يحاولون فيه إقناع
النساء بأن الوعد سيتحقق وسيتم الإفراج عن المعتقلين , وبعد أخد ورد
معهن وافقن أخيراً على إنهاء الاعتصام وعدنِّ إلى بيوتهن وفي ليلة
العيد وفت الحكومة بوعدها فأطلقت جميع المعتقلين , وأنتهت قصة قنبلة
المطار نهاية مشرّفة استطاعت النساء بالإرادة والشجاعة والوحدة
والتصميم والتخطيط الحكيم تحرير الرجال وإرغام الحكومة البريطانية على
إطلاقهم جميعاً وعلّقت الفتيات بقولهن للرجال « نحن الذين أخرجناكم من
السجون » .
مات معظم الذين صنعوا هذه الأحداث وهذا التاريخ , ولكن هذه الأيام
الخالدة ستبقى لأنها ملك لتاريخ هذا الشعب وهذا الوطن وأقل ما يجب فعله
هو تخليدها والكتابة عنها في كتب المطالعة وغيرها وإقامة نصب تذكارية
تخلّد هذه الأيام من مراحل النضال السلمي للنساء المناضلات اللآتي
ساندن الثورة والمقاومة وقدمن الغالي والرخيص من أجل الحرية والاستقلال
لتحقيق الوحدة التي طالما انتظرتها المرأة طوال كفاحها وأقل ما يمكن
تقديمه لأؤلئك الثلة النسوية هو الكتابة عنهن للتاريخ وعدم التنكر
لجهودهن لتكون بطولاتهم شعاعاً ونبراساً يضيء لشباب المستقبل ليعرفوا
أن ما أُخذ بالقوة لايسترجع إلاَّ بالقوة والدم .