* تعتبر الوحدة اليمنية أهم مشروع تحديثي على
الإطلاق تم تحقيقه في حياة
اليمنيين ماضيا وحاضرا ومستقبلا. فقد ظل هذا المشروع حلما يتخلّق في
رحم مسيرة النضال الوطني منذ بداية تفتق الوعي التحرري النهضوي في
مطلع القرن الماضي. وعانى اليمنيون كثيرا قبل تحقيق الوحدة وذاقوا
مرارات التشطير ونتائجه الكارثية المدمرة. وشكّل قيام الوحدة
اليمنية في 22 مايو 1990عملية إنقاذ كبيرة وعاجلة للوطن اليمني
الكبير استباقا ومنعا لحدوث تحولات مخيفة كانت تلوح في الأفق وكانت
تنذر بأحداث مؤسفة سيشهدها الوطن لا تقل شأنا وأهمية وخطورة عن تلك
الأحداث التي شهدتها بعض دول المنظومة الاشتراكية. فقد رأى الناس
بأعينهم على شاشات الفضائيات في الداخل والخارج المآسي وحمامات الدم
التي حدثت في تلك البلدان بعد انتصار الفكر الرأسمالي على الفكر
الاشتراكي.
* والآن وبعد مرور 18 عاما على تحقيق الوحدة, أصبح
من الأهمية بمكان أن نتوقف بجدية وشفافية لتقويم مسيرة التجربة
الوحدوية بعمق ومصداقية, وعلينا ان نعد (كشف حساب) بما تحقق أكان
إيجابيا أو سلبياً رافق مسيرة الوحدة المباركة بعيداً عن المكايدة
ومنطق الاتهام ولغة التحريض وتصفية الحسابات. هذا إذا أردنا فعلاً أن
تتعزز وحدتنا الوطنية, أما إذا أردنا غير ذلك وظللنا نستجر خلافات
الماضي وخصوماته فلا أظن أن اليمنيين سيتفقون على حل لمشاكلهم.ولا ريب,
فهذا الأسلوب سيدخل الوطن كله في أتون خلافات متواصلة ولربما تصل
البلاد إلى وضع قد لا يستطيع كل اليمنيين السيطرة عليه.
* وإذا أردنا القيام بعملية تقويمية لمسيرة تجربتنا
الوحدوية فلابد وأن نبدأ هذه العملية باستعراض وقراءة اللحظات الأولى
للإعلان التاريخي لقيام الجمهورية اليمنية. لقد لاحت في الأفق حينذاك
الأفكار الصغيرة ابتداء من حذف كلمة (العربية) من اسم الدولة اليمنية
الجديدة(الجمهورية اليمنية), واحتلت هذه القضية نقاشا واسعا وسفسطة
وجدلا بيزنطيا عقيما وتخريجات (أيدلوجية), ومرورا بالاقتسام الشامل
للوطن والشعب والدولة بين الشريكين اللذين قاما بالتوقيع على اتفاقية
الإعلان الوحدوي, وما رافق ذلك من مؤامرات من قبل (الشريكين) على بعض
القوى التي ناضلت طويلا من أجل تحقيق الوحدة. تلك كانت المقدمات التي
اوصلتنا الى نتائج مؤسفة انعكست على هيئة اختلالات في بنية دولة الوحدة
الوليدة, واحتقانات كان يشهدها الشارع اليمني من حين الى آخر وتكللت كل
تلك الافكار الصغيرة وانتهت بحرب صيف 1994.
* إن الوحدة اليمنية كانت مصدر خوف لبعض دول
المنطقة. وكانت بالفعل تلك الدول تظن بأن ميلاد يمن موحد سيشكل مصدر
قلق لأمنها واستقرارها. ومن هذا المنطلق لم يكن يهمها أن تتوحد اليمن,
وقد تكون بذلت جهوداً وقدمت إمكانيات لإفشال وإعاقة المشروع الوحدوي
سواءً قبل تحقيقه في 22 مايو 1990 أو بعد أن تم تحقيقه. وهذا أمر متوقع
في ظل (سنن التدافع) التي تحكم شعوب العالم من أجل البقاء, لكن الأمر
الذي لا يمكن توقعه أو فهمه هو أن تتآمر و تعمل جماعات وأفراد و قوى
يمنية على تقويض وحدة وطنها.
* لقد اثبتت الايام أن الوحدة اليمنية لا تشكل
خطراً على أحد سواء أكان في داخل الوطن ام خارجه. وهي جاءت لتلم شمل
الاسرة اليمنية الواحدة لكي تعوض اليمنيين عن سنوات الخوف والحرمان
والبؤس وحياة الشتات والانقسام التي عاشوها في الماضي. وهي ايضا جاءت
لكي ينعم اليمنيون بوجود دولة نظام وقانون كما تعيش جميع شعوب العالم.
أليس من حق اليمنيين أن يعيشوا في ظل دولة يسودها النظام والقانون وليس
الأمزجة والعنتريات و(العيفطة)؟ وهذه هي الغاية الكبيرة التي تحققت
الوحدة من أجلها. والسؤال هو: هل تحققت هذه الغاية أم لا؟ وإذا لم
تتحقق؟ هل ندعو إلى تقسيم الوطن من جديد أم نناضل ونضحي من أجل بناء
دولة النظام والقانون في ظل دولة الوحدة؟