الإصدار السنوي الثالث يصدر عن مجلة الأسرة والتنمية ... رئيس تحريرها / عماد السقاف  .. إشراف / سعيد الصوفي  
 
نقطة تحول
عبد الرحمن معزب
  عضو مجلس النواب

عندما تتحدث عن الوحدة اليمنية فأنت تتحدث عن قدر ومصير شعب ووطن بما يحويه من بشر وشجر ، فعظمة الوحدة تأتي من عظمة تاريخ اليمن وحضارته، وإذا أردنا أن نتحدث عن منجزات حققتها الوحدة فهذه نتائج جاءت عنها  ليس إلا، ولن نفيها حقها بوريقات نكتبها ولكن..  من حيث المبدأ فالوحدة اليمنية تعد كما أسلفت مصيراً للشعب اليمني ولها علاقة تاريخية هامة جدا به كونها  الوضع الطبيعي الذي فطره الله عليه، وما كان عليه في ظل التفرق والتشطير وحكم الإمامة والاستعمار يعد وضعا غير طبيعي عاشته اليمن وترتب عليه الكثير والكثير، لقد أثر التشطير على اليمن من كافة النواحي وجعل اليمن في قائمة الدول المنظور إليها بنظرة دونية خصوصا مع الأحداث التي مرت بها في الثمانينات وكان من نتائجها وجود أحداث وصراعات لن ولم تكن لتنتهي إلا بالوحدة، طبعاً كانت هذه الأحداث والصراعات هي الوضع الطبيعي لمثل هكذا وضع، كمثل جيران تربط بينهم عدة علاقات فمن الطبيعي ان ينتج عنها بعض الإشكاليات بسبب هذه العلاقة فما بالنا بأبناء الوطن الواحد اذا شطروا فكل يدعي أن له حقاً في وطن الأخر، وكلهم على حق في ذلك فالوطن وطن الجميع، علاوة على أن التشطير قد زرع تبعية للقرار المتخذ من قبل أي شطر تجاه أية قضية كانت، حيث أن كل شطر كان يتبع الدولة التي تقف معه وتدعمه ليستعلي على الشطر الأخر، لذلك كانت الوحدة هي العلاج الحاسم والنهائي لكل المشاكل التي كانت سائدة وهذا كان أول مكسب يتحقق بتحقق الوحدة اليمنية.

أما عن الوضع الاقتصادي والتنموي قبل مايو 90م  فنتيجة للوضع السائد لم يكن هناك أي تفكير بمسألة الاقتصاد والتنمية والاستثمار نتيجة لانشغال كل طرف بالخلافات التي كانت هي الشغل الشاغل للجميع، حتى أن الميزانية كانت تسخر وتستنفذ في تغذية الحروب وتغذية حرس الحدود وتغذية الجماعات المسلحة، وكل هذا كان على حساب الميزانية وعلى حساب الاقتصاد والتنمية وعلى حساب البنية التحتية وعلى حساب بناء الدولة، أما الاستثمار في اليمن فكانت  النظرة دونية للبلد من قبل دول المنطقة والدول الإقليمية ودول العالم في أنه غير ملتزم بالقيام بأي دور فاعل سواء على المستوى العربي أو الإقليمي أو العالمي، لذلك لم يكن للاستثمار أي ذكر على مدى هذه الفترة، لذلك كان للوحدة اليمنية وخلال 18 عاماً وأقل أن تعكس هذه النظرة وليكون له كيانه ودوره الفاعل في المستوى العربي والإقليمي والدولي، فهل كان يتوقع من اليمن أن يكون له هذا الشأن وهل كان يتوقع منه أن يقوم بأي دور أو مساهمة أو مبادرة في المنطقة العربية أو في العالم؟ مستحيل أن يكون هذا بدون أن تكون الوحدة هي نقطة الانطلاق التي بدأت بها اليمن في التفكير بالمستقبل.

إن الوحدة اليمنية جاءت كتجربة فريدة تحققت بكل نجاح في ظل التمزق والتفرق الذي اتجه العالم إليه ، وهذا النجاح قد أعطى دلالة تاريخية وأكيدة على أن التوحد هو الوضع الأصلي والطبيعي لليمن وان ما كان من تفرق وتمزق كان بتأثير عوامل خارجية صنعها الحكم الإمامي والاستعمار، كما أعطى دلالة على أن اليمنيين هم أهل الإيمان والحكمة وهي صفة سائدة فيهم ولن تنتهي أبدا بأي حال من الأحوال.

إن من يظن ويفكر ويثرثر بأن اليمن كان سيصل بغير الوحدة إلى ما وصل إليه اليوم فهو مخطئ، أن من ينظر إلى وضع كان عليه شمال الوطن وان كان إلى حد ما لا باس به، ووضع كان يعيشه الجنوب سيرى مفعول تحقق الحلم اليمني – الوحدة اليمنية- وأثرها على حياة اليمنيين ، فالطرق لم نكن نعرف سوى طريق صنعاء تعز وطريق الحديدة وبعض الطرق الأخرى حول صنعاء والوضع في الطرف الآخر لم يكن بأحسن، أما الآن فلننظر إلى الطرق التي لا تكاد مديرية أو ريف يمني يخلو من الإسفلت ، ولنتأمل فيما تحقق منذ قيام ثورتي سبتمبر وأكتوبر 1962م إلى قيام الوحدة ونرى فارق ما انجز في هذا المجال وغيره وسنرى الفرق الشاسع، وأن ما تحقق في تلك الفترة لايقارن مع ما تحقق في ظل الوحدة بشيء ، وقس على ذلك التعليم العالي والجامعات التي كانت تقتصر على جامعة صنعاء وعدن الآن ثمان جامعات حكومية وأخرى أهلية وكليات هنا وهناك علاوة عن النوايا القادمة لإنشاء عشر كليات أخرى وبناء جامعة لحج وغيرها من الجامعات، كذلك الكهرباء التي  كانت مقتصرة على بعض المدن وكانت هي نفسها تستعين ببعض المولدات (مواطير) ولساعات معدودة، ونرى ما تحقق من منجزات فيها حيث أصبحت لا تخلو أي محافظة أو مديرية من المحطات الكهربائية التي تعمل على مدار الساعة، كذلك الزراعة وبناء السدود والحواجز المائية وإنشاء السدود الكبيرة كدلتا أبين وسردد، الذي سيتم العمل فيهما قريباَ، كذلك الاستثمار الذي لم نكن نسمع عنه حتى سماع أن نوجه له دعوة ولم يكن هناك توجه سواء من الداخل أو الخارج نحوه وما لمسناه من عقد الورش والندوات والمؤتمرات التي مهدت وعرضت فرصاً استثمارية عن اليمن، كل هذا جاء مع الوحدة ولولا أنها تأخرت نوعاً ما - أي الوحدة – لكانت اليمن هي السباقة على مستوى المنطقة في إنشاء المناطق الصناعية الكبرى والمناطق الحرة ومنذ وقت مبكر.

ثم إن ومن أهم المكاسب التي تحققت في عهد الوحدة هي الديمقراطية والتحول من لغة السلاح والمؤامرات فمن وضع كانت تعمل الأحزاب بشكل سري وكان السبيل للوصول إلى السلطة هو الانقلاب وإسالة الدماء ومن وضع كان فيه القتل لمن يتكلم الكلمة ونظام الحكم للحزب الواحد وأنا اتكلم والكل لا يتكلم وأنا أحكم والكل لا يحكم وأنا الكل والكل لا، ومن وضع شردت فيه الحركات والافكار والمفكرون، الى خير الوحدة التي أتاحت المجال للتعددية السياسية والديمقراطية والرأي والرأي الأخر في إطار الحفاظ على الثوابت الوطنية، وأصبحت الحرية موجودة والتنافس والحوار بالعقل والفكر ليس بالدبابة ولغة السلاح، وإنما صندوق الاقتراع  هو المحك ، أو أصبح لدينا انتخاب المجالس المحلية وانتخاب مجلس النواب وانتخاب رئيس الجمهورية وانتخاب المحافظين، وأصبح المواطن هو الذي يحكم نفسه بنفسه ، ومن يريد الحكم عليه ان يسير في طريق الديمقراطية الأفضل ليصل إلى ذلك، وأصبح طريق الرأي والإقناع والبرامج هو البديل للغة السلاح، لتكون الديمقراطية سلوكاً يمنياً نشأ عليه ابتداءً من انتخاب رئيس الفصل وانتخاب ممثل المجلس المحلي وصولا بانتخاب محلي المديرية بالوسائل الديمقراطية وبالاقتراع وصولا إلى اختيار مجلس النواب ليس بالتزكية وإنما بالصندوق يليه انتخاب محافظ المحافظة ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب كل هذا عبر الصندوق وهو الذي يحدد من هو الأكفأ والأجدر، ومن لا يؤمن بهذا المبدأ ولا يسلك طريقه ويريد طريقاً غير طريق الديمقراطية فسيحكم على نفسه بالذوبان والانتهاء، ومن لا يملك الخطط والبرامج والمشاريع فسيكون مصيره الفشل، فمن فوائد الديمقراطية أنها جاءت لتعري الأفكار التي لا تعود بالفائدة على شعوبها.

   
جميع الحقوق محفوظة لمجلة الأسرة والتنمية